الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

198

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس كان من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم ، وكان فرعون يحسب نفسه أهلا لذلك لزعمه أنه ابن الآلهة وحامي الكهنة والهياكل . وإنما كان يشغله تدبير أمر المملكة فكان يكل شؤون الديانة إلى الكهنة في معابدهم ، فأراد في هذه الأزمة الجدلية أن يتصدى لذلك بنفسه ليكون قوله الفصل في نفي وجود إله آخر تضليلا لدهماء أمته ، لأنه أراد التوطئة للإخبار بنفي إله أخر غير آلهتهم فأراد أن يتولى وسائل النفي بنفسه كما كانت لليهود محاريب للخلوة للعبادة كما تقدم عند قوله تعالى : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ [ مريم : 11 ] وقوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ [ آل عمران : 37 ] ومن اتخاذ الرهبان النصارى صوامع في أعالي الجبال للخلوة للتعبد ، ووجودها عند هذه الأمم يدل على أنه موجودة عند الأمم المعاصرة لهم والسابقة عليهم . والأسباب : جمع سبب ، والسبب ما يوصّل إلى مكان بعيد ، فيطلق السبب على الطريق ، ويطلق على الحبل لأنهم كانوا يتوصلون به إلى أعلى النخيل . والمراد هنا : طرق السماوات ، كما في قول زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وإن يرق أسباب السماء بسلّم وانتصب أَسْبابَ السَّماواتِ على البدل المطابق لقوله : الْأَسْبابَ . وجيء بهذا الأسلوب من الإجمال ثم التفصيل للتشويق إلى المراد بالأسباب تفخيما لشأنها وشأن عمله لأنه أمر عجيب ليورد على نفس متشوقة إلى معرفته وهي نفس ( هامان ) . والاطّلاع بتشديد الطاء مبالغة في الطلوع ، والطلوع : الظهور . والأكثر أن يكون ظهورا من ارتفاع ، ويعرف ذلك أو عدمه بتعدية الفعل فإن عدي بحرف ( على ) فهو الظهور من ارتفاع ، وإن عدي بحرف ( إلى ) فهو ظهور مطلق . وقرأ الجمهور : فَأَطَّلِعَ بالرفع تفريعا على أَبْلُغُ كأنه قيل : أبلغ ثم اطّلع ، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على جواب الترجي لمعاملة الترجي معاملة التمني وإن كان ذلك غير مشهور ، والبصريون ينكرونه كأنه قيل : متى بلغت اطلعت ، وقد تكون له هاهنا نكتة وهي استعارة حرف الرجاء إلى معنى التمني على وجه الاستعارة التبعية إشارة إلى بعد ما ترجاه ، وجعل نصب الفعل بعده قرينة على الاستعارة . وبين إِلى و إِلهِ الجناس الناقص بحرف كما ورد مرتين في قول أبي تمام : يمدّون من أيد عواص عواصم * تصول بأسياف قواض قواضب